حياتك أسهل مع فيصل خالد

لكل مشكلة حل والأوجه فيه متعددة فاختر ما يناسبك .. جهد تعاوني لبناء الأحلام وتحقيق الآمال في الحياة وفق رؤية علمية وتقنيات تكتيكية بسيطة

استشارات المدونة جانب من ضمن خدمة المجتمع

الخميس,نيسان 17, 2008


مستويات الوعي والإدراك في علوم الاتصال وأثرها على التواصل

 

د. فيصل خالد

المستشار وخبير الاتصال البشري و الاستراتيجي

 

          هذا موضوع ضخم وعملاق .. سنناقشه في إطار ضيق ومفيد ، أولاً علينا أن نتفق على ما يلي :

1.     أن الحياة سهلة وبأننا من نعقد الأمور  بأنفسنا .. هذا لا يتعارض مع أنها تحتاج إلى جهد نسبي لتحقيق الأهداف .

2.     لنتفق على أن الله عندما خلقنا وفر لنا من يرشدنا للطريقة الصحيحة في هذه الحياة وترك لنا مادة علمية تحتوي على القواعد والنظم والاستراتيجيات والتقنيات الخاصة بالتعامل السليم مع هذه الحياة .

3.     لنتفق على أن تفاوت القدرات البشرية يعني بأن تتعدد الاختصاصات والمعارف بين أفراد سكان الكوكب .

          يحدث كثير من اختلاف التنوع بين الناس ويحدث أيضاً اختلاف تضاد ، المحصلة النهائية إن لم يكن الأمر يعني كفراً أو سفك دم أو استباحة عرض أو الاستحواذ على مال الغير أو إزهاق نفس بغير وجه حق ، فإن الأمر سيكون يسيراً ، لسبب واحد .. إنه أمر لا يعنيك شأنه .

          عندما يتواصل البشر ويحدث اختلاف ما  وهذا يعني أمور عدة هي :

اختلاف في المستويات :

 فلكل مجال من مجالات الحياة مستويات ثابتة يعلوا المرء فيها ويهبط وفقاً لمحتواه الفكري ، ومحتواه الفكري هو ما يحدد المستوى الذي يعالجه المرء من خلال عملة الاتصال بهذا المستوى أو ذاك .

اختلاف في الأنواع أو المجالات :

وهذا يعني أن المرء ينتقل من حيز إلى حيز فكري آخر .. وعندما يكون في أحدهما فلن يكون في الآخر إطلاقاً .

اختلاف بين التفصيل والدقة وبين الإجمال والعموم :

حيث تتسع أو تضيق الدائرة الإدراكية لمحيط الاتصال .

اختلاف بين الغموض والوضوح :

هنا يتعلق الأمر بالكثافة الإدراكية لما يتم الاتصال به ويرجع هذا لقوة الأداة الإدراكية وتتمثل في الحواس .

اختلاف بين البساطة السطحية والبساطة العلمية :

فالبساطة لدى البسطاء لا تتعدى ما يظهر على السطح أما العلماء فهم من يغوصون إلى القاع ليستعرضوا الحقائق العلمية وهي غاية في البساطة والتركيب ثم يطرحونها على السطح .

 

ويقودنا السياق المنطقي هنا لأمر مهم في جوانب استقاء المعرفة ونشرها ، فيظهر تصنيف فأوي حاسم فهناك " جاهل " وهناك "عالم " وهذا يعود على كل أحد في كل شيء في أي مستوى وأي مجال ، فالجاهل هو من غابت عنه المعرفة المحددة ولا يعني هذا نقصاً في الذات والعالم هو من أحاط بمعرفة غابت عن سواه ولا يعني هذا علوه المطلق على الغير ، ولهذا فالأمر نسبي بين البشر في العلم والجهل ومرده للأمر المحدد بذاته ..

مثال للتوضيح :

عالم فيزياء نووية ، لا يعني هذا أنه يحسن كتابة نص أدبي .. ولا ينقص هذا من قدره إلا بقدر ما يحتقر هو به الآخرين وهنا يختلف المجال كما ذكرنا أعلاه .

          لأقف عند هذا الحد وإلا فإن مستويات الاتصال فيها تنوع كبير ، ويمكن للقارئ الكريم أن يستنبطها مما هو منشور في هذه المدونة أو ما سينشر فيها إن كان في العمر بقية ، ولنعد الآن لصلب الموضوع ، من صور الاختلاف في أمر الاتصال موقف حدث أمامي أثناء حضوري لمجلس إدارة إحدى المنشئات وأثناء حديثي ثار أحد الحضور في وجه آخر وأنا أتحدث ورماه برزمة ورق لم أعلم ما بها إلا أنني فهمت أثناء التحدث بشفرات بأن حديثي ضرب على وتر حساس كانوا يتناطحون من أجله في اجتماع سبق اجتماعي بهم ببضع دقائق وكلاهما يرى كلامي في يصب صالحه ، ثم تحدثت في مجال آخر فثار الأول مرة أخرى وأخذ يشير إلى حزمة الورق التي رماها على صاحبه ، كان الاجتماع برمته ينم عن سوء خلق وأدب واضح وجهل بطبيعة الاجتماعات الإدارية المحترمة إلا أنني أقنعت نفسي بأن حياتي لعبة وهذه إحدى مراحلها وإن لم أكن أحد أطراف النزاع في المشهد القبيح الذي رأيته أمام ناظري للتو .. ملخص الأمر .. اتضح لي الأمر في نهايته .. بعدما وصولوا لمستوى أعلى من الوضوح إلى أن الإخوة الفضلاء يتخاصمون في مجالين مختلفين ظناً منهما بأن الأمر واحد .. توقفت عن الحديث ونظرت لهم ، وقررت في صمت أن أعطيهم ملخص مفيد في علوم الاتصال بما يناسب الأمر الذي اختلفوا فيه .. وعندها تصببت جباههم عرقاً بعد أن نالوا قسطاً من المعرفة .. هذه حادثة عامة البنود وهي تفي بغرض تصور الأمر عندما يسوء الاتصال .

          هناك أمر آخر سبق وأن ناقشته من بعض الزوايا في أطروحات سابقة إلا أنني اليوم أوفيه حقه من جانب آخر ، " المعرفة " سلوك وليست رغبة ، هذا قد يدركه الكثير بشكل أو بآخر إلا أن البعض يمارس شيئاً مخالفاً فهو يظن أو يعتقد بأن ممارسته للرغبة في المعرفة فقط يعني المعرفة الحقيقية .. ينتج هذا عن الخوف من فقد متعة أو الوقوع في ألم ، وهذا سر باطني لطبيعة ما يجري لدى هذا الصنف من البشر ..  مرد ذلك لآلية الاتصال بما حولنا ، وبما أننا بشر فقد ضبطنا أموراً كثيرة في حياتنا بنظم وقوانين لتنظيم علاقتنا بالأمور والأشياء ، ومن هنا وقعنا في شرك نحن صانعوه ألا وهو القوانين البشرية ومردها للقيم والمعتقدات الراسخة في الذاكرة العميقة للمجتمع البشري الحديث ، الناتج عن التراكم المعرفي للأجيال البشرية على الكوكب ، الأمر بسيط للغاية .. نضع قانوناً ثم نعتقد بأنه لا يعتريه الباطل من أمامه ولا من خلفه ، وعندما تتطور المعرفة وتفنى أجيال لتولد غيرها يبقى الكثيرون في جمود وانغلاق عقلي خشية المساس بقوانين بالية لم ينزل بها الله من سلطان ، وأخص بها قوانين المعرفة البشرية ، مرد ذلك لنوع الاتصال الخاطئ المستخدم وأداتها المستعملة لهذا الاتصال ، فالبعض لا يقبل المعرفة إلا من الأسلاف وينبذ كل ما عليه المعاصرون ويضع لهذا قانوناً ، آخر لا يقبل إلا علوم الدين ويرفض علوم الحياة وبالعكس ، وآخرون يكتفون بالكتاب وينبذون السنة ، وآخرون لا يؤمنون إلا بالمحسوس والملموس ، وكأنهم لا يعرفون الحب أو الخوف ، وجمهور يرد الدين جملة وتفصيلاً وفق قانونه ، ورهط لا يعملون العقل وقد أكرمهم الله به خشية الزلل .. والتعداد هنا يطول .. ولا نتحدث عن صحة أو خطأ وإنما نستعرض بعض صور القوانين المعرفية في الدين والحياة .. دعني أخفف عنك بعض الشيء .. رجل مرور جاهل - لا أعمم بل أحدد بهذا الموقف فحسب - يعطيك قسيمة وقوف خاطئ في شارع مغلق .. والسبب أنه قبل إغلاقه لأسباب تتعلق بإعادة تطويره كان بالعادة مكتظاً ومزدحماً والقانون لا يسمح بعرقلة السير ، المسكين لا يعرف مبدأ السبب والنتيجة كما لا يعرف مبدأ العلة والحكم ، فهو يرى أن الوقوف خاطئ ولا يدري لما سن المشرع القانوني هذا القانون ووضع له لائحة جزائية ، ولذلك هو كالآلة ، لا عقل له .. أو رغب هو أن يعطل عقله ، فلم يشغل نفسه بالتفكير فحرر ضدك المخالفة بكل فخر .

          كنت في حوار مع أحد المعلمين ، وكان يرى أن الطفل لا يمكن أن يحصل على حصيلة علمية أكثر مما قررته قوانين التعليم في البلد ، وعليه فإن الطفل في الصف الأول الإبتدائي لا يسوغ عقلاً أن يرحل لمستوى أعلى كالصف الثاني مثلاً لسبب واحد فقط القانون لا يسمح .. هو لم يصرح بهذا وإنما نفى صحة تعلم هذا الكائن البشري في هذه السن ومرد ذلك لعدم فهمه لأسباب سن قوانين التعليم وارتباطها بالعنصر الاقتصادي والشواغر الوظيفية بعد التخرج المبكر لملايين الطلاب على مستوى الدولة .. هو لا يدرك هذا .. يدرك فقط .. أن الأمر مستحيل هنا أو حتى في المرحلة الجامعية وأن من وضع القانون هو أعلم بالمصلحة .

          إن الحوار مع هذه الأصناف البشرية بحاجة إلى إدراك ووعي تام لمستوى الاتصال ونوعه ، حتى نصل لنتيجة مرضية من الحوار ولتتقارب القناعات .. مثال عملي :

الزوج : يعاتب زوجته لأن طعامها لا تنوع فيه .  ترد الزوجة : إنك تخلد إلى النوم في وقت متأخر

الملاحظ هنا بأن هناك خلاف حقيقي حاصل .. وجدير بالملاحظة بأن كل منهما في نوع مختلف من الأخطاء ، هما الآن في خطين متوازيين ولن يلتقيا أبداً .. مشكلة كهذه لدى كثير من الناس ، مع بساطتها وتفاهتها إن جاز التعبير ، ليس لها الحل .. إلا أن الحل يكمن في فك الارتباط .. فتأخر الزوج في نومه لا شأن بنوع الطعام .. لا يختلف الأمر هنا في مقر العمل عندما يناقش مدير عام الشركة الدولية القابضة متعددة الفروع  أمر الهدر نتيجة الصرف على دبابيس الورق بينما يرد الموظفون بأن الدبوس الواحد لا يتعدى سنتاً واحداً فقط .. إلا أن المدير العام يقوم بمعايرة الأمر وقياس معدلات الهدر بناء على عدد الموظفين المقدر بالآن في مكاتب تمثيل في قارات العالم فلو قام كل موظف يومياً برمي دبوس واحدا فهذا يعني ثمانين ألف دبوس في اليوم يضرب في ستة عشرون يوماً  ويضرب العدد في اثني عشر شهراً ليخرج رقم ضخم من المال المهدر نتيجة سلوك فردي بسيط يمارس لمرة واحدة يومياً فقط . ونلاحظ هنا اختلاف مستوى التفكير .

          النتيجة .. قبل الدخول في مهاترات وجدال لا طائل منه .. ليتفق الطرفان على نوع الاتصال أو مستواه ، ثم ليعالجوا الاختلافات البسيطة بدلاً من تناطح لا طائل من ورائه .

 

الأمر لم ينتهي عند هذا الحد .. هناك المزيد في أنواع ومستويات أخرى .. بكل بساطة ..

إلى اللقاء

 

 

 

 



في17,نيسان,2008  -  09:10 صباحاً, Dr. Q8tya كتبها ...

يعطيك العافيه .. كلام رائع

في17,نيسان,2008  -  12:03 مساءً, د. فيصل خالد كتبها ...

أختي الفاضلة /Dr. Q8tya

أشكر لك مداخلتك

وأرحب بك ضيفة مثرية للنقاش والحوار في هذه المدونة


 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لمدونة حياتك أسهل مع فيصل خالد شريطة تفعيل الرابط