وقع الحادث يوم الجمعة
قضاء وقدر
د. فيصل خالد الغريب
المستشار وخبير الإتصال البشري والإستراتيجي
عندما كان والدي حفظه الله يستعد لإجراء عملية جراحية خطرة ، كان يقهقه لأنني كنت حينها أداعبه و ألطف له الأجواء وكأنه سيدخل مدينة ترفيه ، كان هذا منذ شهرين تقريباً ، ومنذ ثلاثة أيام دخلت على خالتي في غرفة الرعاية الصحية في المشفى بعد تعرضها وأسرتها لحادث أليم فقدت فيه ابنتها البكر في حادث سير ضم جميع أفراد الأسرة ، وعندما سلمت قالوا لها : " أتى من سيضحكك " …
ومنذ ساعات من كتابة هذه الأسطر ، تعرض إبني الثالث ضمن ترتيب إخوته إلى حادث صدم من سيارة مسرعة في طريق خدمة ضيق وهو يخرج من صالون الحلاقة مع بقية إخوته .. كانت لحظة خاطفة .
كنت حينها أقدم بعض التوجيهات الخاصة بالسلامة لإبني الأكبر عبدالملك ولأخيه الذي يليه خالد ، وفي أثناء حديثي سمعت صوت صدم إنسان .. متزامناً مع جسد صغير يرتفع في الهواء ليختفي عن عدسة المشهد خلف " مني باص " مكرون أمامي كان يحجز الرؤية عني .. عرفت حينها أنني فقدت إبني إلى الأبد .. فبكل بساطة توفيت يوم عيد الأضحى فتاة قريبة لي كما أسلفت وتبعها شاب في مقتبل العمر في حادث سير هو الآخر رابع العيد هو أحد أبناء العمومة ، لأكتشف بأن آخر عماتي قد فارقت الحياة في اليوم نفسه رحم الله الجميع رحمة واسعة .. وأنا اليوم في هذه اللحظة أودع الآن إبني عبدالرحمن .. الحمد لله تعالى فقد قضي الأمر . وما قدره الله كان ، لقد مات …
ترجلت من سيارتي في لمح البصر ، ففي هذه الحالات عادة مايذعر السائق مرتكب الحادث فيحاول الهرب عبوراً على جسد المصاب ليقضي على ما بقيت فيه من حياة و لكنه توقف ، حينها كنت واقفاً أمام إبني عبدالرحمن ، الذي كان الدم يغطي وجهه الصغير ، وكان ينظر إلي وهو شبه مضطجع على شقه الأيمن على بعد ثلاثة أمتار ونصف إلى خمسة أمتار من موضع الحادث ، وهذا عائد لكون السائق لم يضغط المكابح ، بل ارتطم بجسده الصغير الذي يزن أقل من سبعة عشر كيلو غراماً فقط ، وفي عرض بطيء للمشهد كان كل من في الصالون يركضون نحونا في حين بدأ الناس يتوافدون من جميع الجهات .. كنت أركز على عينيه وهو ينظر في عيني قال لي بصوت متقطع : " أبي أريد الذهاب إلى المنزل " في هذه اللحظة لم أكن أسمع غير صوته . كانت أول كلمة قد نطقت بها عندما كنت في منتصف طريقي إليه حينما رأيت السائق يهرع هو الآخر من سيارته وقبل أن تطأ قدمه الثانية الأرض قلت له : " لا بأس عليك " لم أكن لأضخم الأمور حينها ففي نظري أن إبني فارق الحياة ، ولكنني عندما سمعت من إبني ما قاله تبسمت .
كنت أنظر إلى إبني وأهم بحمله برفق وأنا أبتسم في وجهه إبتسامة عريضة ، لم أكن لأرعبه بصراخ أو ثوران أو طيش ففيه ما يكفيه من الهلع والخوف ، في هذه الأثناء كان شاب يراقبني وأنا أتلطف مع إبني لحمله فصرخ فيَّ قائلاً : " إبتعد " .. وعينيه يتطاير منهما الشرر ، وأنا أحاول ثنيه عن لمسه خشية أن يُصاب بمضاعفات .. لم يصدقني عندما قلت له بأنني والده - كيف لوالد أن يبتسم في موقف كهذا - فصرخ مرة أخرى : " أنت لست والده " .. بالنسبة لي يكن لم تكن الأولوية إلا لإنقاذ إبني ، ولن أدعه لعبة تتجاذبها الأيدي لتمزقه ، فعادة ما يفقد الناس تركيزهم في لحظات كهذه ، وكنت أنظر في عيني الشاب الثائر وهو يرعد ويزبد فحمله ورافقني في سيارتي ، كل هذا في ثلاثين ثانية مع إغفال الكثير من التفاصيل .
كان علي أن أتوجه إلى أقرب مستشفى ، ووصلته خلال ١٨٠ ثانية ، فلم يكن المكان بعيداً ، ولنا هنا قصة أذكرها باختصار ، فعندما وقع الحادث ، أي في الجزء الأول من الثانية الأولى له - فهو لم يستغرق أكثر من ثانية ونصف - كان صوت جسد إبني وهو يرتطم بصادم السيارة الأمامي يشير إلى تعدد مراحل الصدمة بما فيها تحول طاقة الطرد من السيارة إلى جسد عبدالرحمن لألمح جسده على إرتفاع متر ونصف يقذف في الهواء في لح
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ